سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
192
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وأما شبه جزيرة البلقان فأن كان في ظاهر أمر فتحها من الأتراك ما يدل على القوة والبأس فإنها في حقيقة الأمر كانت مصدر بلبال الدولة وإضعاف قوتها إذ لم تسكن فيها القلاقل والفتن ولم تفتر الدولة من تجييش الجيوش وإراقة الدماء في سبيلها - كل ذلك - وبالنتيجة كان البقاء في البلقان غير ممضون ، بل كان استقلال ممالك البلقان مجزوما فيه من كل عاقل . قال : « ولقد سمعت من المرحوم عالي باشا ذلك الصدر الأعظم الكبير العقل ، النافذ النظر وهو يعتقد أن داء البلقان ، سوف يضعف جسم الدولة وسوف تضطر مكرهة على التخلي عن البلقان بعد خسارات مادية ومعنوية لا يمكن تعويضها . وأنه وجد طريقة للتخلص من البلقان مع حفظ شرف الدولة والاستعاضة عنه بمبالغ جسيمة يمكن إصلاح بقية المملكة بها ، وتعزيز قوتها في آسيا وإفريقيا . ويا للأسف كيف أن هذا الرجل الكبير لم يتوفق لتحقيق هذا الفكر السليم والعمل الذي فيه كل خير وكان أمر اللَّه مفعولا ؟ ! فلو فلعت الدولة وأخذت برأي عالي باشا وغيره من حكماء الوزراء أو بالذي تصورته لها من أنها تتخذ بغداد عاصمة ملك ومقر للخلافة . وعندها الدجلة والفرات والخابور والبصرة وشط العرب . ذلك النيل الذي يفيض كل أربعة وعشرين ساعة مرة ! وتلك السهول الخصبة التي على جانبي وضفتي ذينك النهرين العظيمين والتي مساحتها عشرة أضعاف أراضي مصر ، على أقل تعديل ، وأعظم منها خصبا وأكثر إنباتا . ثم قال : رحم اللَّه محمد علي باشا ذلك الأمي الكبير ، نابغة رجال أعصار وأجيال ، فقد طوى تحت جبته همما تدكدك الجبال وقلبا يقدم به على هائل الأعمال وتحت عمامته دماغا فعالا وعقلا جوالا وبصرا نافذا وفكرا ثاقبا ورأيا صائبا . بلغ الرجل من حدة الذهن وفرط الذكاء والدهاء وبعد النظر أنه بعد أن حسن خراب مصر تحسينا بينا ، ونظم ما اختل من أمورها واستنهر النيل للقناطر الخيرية ومنها يجري في الجداول والترع . عرض على الباب العالي والتمس من السلطان أن يعيضه بالبصرة عن مصر وأنه يعد إسعاف هذا المسؤول منّة وفضلا . فتأمل ؟ ! هذا الرجل العظيم لو لم يعلم يقينا أن البصرة خير من مصر لما طلب ما طلب ، هذه هي البصرة ، وأما الموصل « ذات الربيعين » فما شئت عنها فقل ! ثم إذا علمنا أن